ابو الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي المغربي

100

الأنوار الباهرة بفضائل أهل بيت النبوي والذرية الطاهرة

جمع علي رضي اللّه تعالى عنه الناس في الرحبة ، ثم قال لهم : « أنشد اللّه كل امرئ مسلم سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام » فقام ثلاثون من الناس ، وفي رواية : فقام ناس كثير ، فشهدوا حين أخذ بيده فقال للناس : « أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم » قالوا : نعم يا رسول اللّه ، قال : « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهم وال من والاه ، وعاد من عاداه » . قال : فخرجت وكان في نفسي شيء ، فلقيت زيد بن أرقم فقلت له : إنّي سمعت عليا يقول كذا وكذا ، قال : فما تنكر ؟ ! قد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يقول ذلك له « 1 » . وفي رواية : لمّا رجع النبي صلّى اللّه عليه واله من حجّة الوداع ، ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن ، ثم قال صلّى اللّه عليه واله : « كأنّي دعيت فأجبت » ثم ذكر الثقلين : كتاب اللّه والعترة . . . ثم قال : « إن اللّه مولاي ، وأنا وليّ كل مؤمن » ثم أخذ بيد علي فقال : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه . . . » إلى آخر الحديث « 2 » .

--> ( 1 ) . مسند أحمد 4 : 370 ، مجمع الزوائد 9 : 128 عقد بابا بعنوان ( من كنت مولاه ) فيه أكثر من ثلاثين رواية ، السنن الكبرى للنسائي 5 : 134 ، البداية والنهاية 7 : 383 . وروي خبر المناشدة أيضا بطرق أخرى في مسند أحمد 1 : 84 و 118 ، المعجم الكبير 5 : 171 عن زيد ، مسند أبي يعلى 1 : 429 عن عبد الرحمان ، كشف الأستار عن زوائد البزّار 2 : 190 بطريقين ، المعجم الصغير 1 : 64 ، كنز العمال 11 : 332 ناشد به طلحة يوم الجمل . ( 2 ) . مستدرك الحاكم 3 : 118 وصحّحه ، السنن الكبرى للنسائي 5 : 45 ، المعجم الكبير 5 : 166 ، فضائل الصحابة : 15 ، السيرة النبوية لابن كثير : 4 : 416 ، البداية والنهاية 5 : 228 ، كنز العمال 13 : 104 ، مناقب الخوارزمي : 154 . ولأهميّة حديث الغدير نذكر أقوال العلماء حول تواتره ، وطرفا من الاستدلال به على خلافة أمير المؤمنين علي عليه السّلام . فمن العلماء من ذكر تواتره : 1 - قال ابن حجر في فتح الباري 7 : 438 : « وأمّا حديث ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) ، فقد - - أخرجه الترمذي والنسائي ، وهو كثير الطرق جدا ، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد ، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان » . 2 - . قال العلّامة الكتّاني في نظم المتناثر في الحديث المتواتر : 206 : « وفي رواية أحمد أنّه سمعه من النبي صلّى اللّه عليه واله ثلاثون صحابيا ، وشهدوا به لعلي لمّا نوزع أيام خلافته ، وصرّح بتواتره المناوي في التيسير نقلا عن السيوطي وشارح المواهب اللدنيّة ، وفي الصفوة للمناوي قال الحافظ ابن حجر : حديث ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) أخرجه الترمذي والنسائي ، وهو كثير الطرق جدا ، وقد استوعبها ابن عقدة في مؤلّف ، وأكثر أسانيدها صحيح أو حسن » ثم ذكر الكتّاني أسماء خمس وعشرين من الصحابة ممّن رووه وشهدوا به . 3 - . قال العجلوني في كشف الخفاء 2 : 245 رقم 2590 : « رواه الطبراني والضياء في المختارة عن زيد بن أرقم وعلي وثلاثين من الصحابة بلفظ : ( اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه ) ، فالحديث متواتر أو مشهور » . 4 - . قال ابن حمزة الحنفي في البيان والتعريف 3 : 235 : « أخرجه الإمام أحمد ومسلم عن البراء ابن عازب ، وأخرجه أحمد عن بريدة ، وأخرجه الترمذي والنسائي والضياء المقدسي عن زيد ، وقال الهيثمي : رجال أحمد ثقات ، وقال في موضع آخر : رجاله رجال الصحيح ، وقال السيوطي : حديث متواتر » . 5 - . قال ابن درويش الشافعي المعروف بالحوت في كتابه أسنى المطالب : 285 : « رواه أصحاب السنن غير أبي داود ، ورواه أحمد وصحّحه ، وروي بلفظ ( من كنت وليّه فعلي وليّه ) رواه أحمد والنسائي والحاكم وصحّحه » . 6 - . عقد الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 128 بابا بعنوان « قوله صلّى اللّه عليه واله : من كنت مولاه فعلي مولاه » أورد فيه أكثر من ثلاثين حديثا من طرق الحفّاظ والأئمة . 7 - . قال ابن حجر في الصواعق 1 : 107 : « رواه ثلاثون صحابيا وشهدوا به لعلي لمّا نوزع أيام خلافته ، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان ، ولا التفات لمن قدح في صحّته » . 8 - . قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 5 : 415 : « الحديث ثابت بلا ريب » ، وقال في 8 : 335 : « هذا حديث حسن عال جدا ومتنه متواتر » ، وفي 19 : 328 نقل كلام الغزالي قول عمر لعلي : بخ بخ أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة ، قال أبو حامد : « هذا تسليم ورضى ، ثم بعد هذا غلب - - الهوى وحب الرئاسة . . . » إلى آخر كلام الغزالي فراجعه . فالحديث من جهة السند والصدور مقطوع به ومتواتر كما تقدّم ، ولو تتبّعنا كلمات الحفّاظ والعلماء لطال بنا المقام ، وما نقلناه من عباراتهم كاف في إثبات تواتره بأعلى المراتب . وأمّا الاستدلال بالحديث على الخلافة والرئاسة العامّة بعد النبي صلّى اللّه عليه واله : 1 - احتجاج أمير المؤمنين ومناشدته الناس في الرحبة - كما تقدّم في خبر أبي الطفيل وغيره من أخبار المناشدة - وأجابه وصدّقه على ذلك ثلاثون من الصحابة على ما ذكره الكتّاني وأحمد وابن حجر كما تقدّم ، وفي رواية : « منهم اثنا عشر بدريّا » ولم يعترض منهم أحد ، والكل فهم من ( المولى ومولاه ) أنّه هو ( الأولى ) ، وهو في مقام الانتصار لدعوته ، فيكون علي عليه السّلام هو الأولى بالمسلمين بعد النبي مطلقا ، ومنها الحاكمية والسلطة والرئاسة ، ولو كان معنى ( مولاه ) يعطي معنى غير ذلك لما احتج به أمير المؤمنين وناشد الناس بهذا الحديث . 2 - إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله فعل ذلك عند رجوعه من حجّة الوداع ، فمنع الألوف من المسير ، وحبسهم في تلك الرمضاء وفي ذلك الهجير ، ثم خطبهم ونعى إليهم نفسه ، وأشهدهم « ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ فقالوا : بلى ، فقال صلّى اللّه عليه واله : « ألا فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه » ، فهل كان النبي صلّى اللّه عليه واله يريد أن يقول لهم في ذلك الوقت العصيب والجمع الغفير : إن عليا هو صديق للمؤمنين ، أم أراد أن يبلّغ أمرا أخطر من ذلك بكثير ؟ 3 - وما ذهب إليه البعض من أن معناه : أنّه أولى بالخلافة حين تعقد له ، فهي مآلية وليست حالية ( كما في الصواعق لابن حجر 1 : 110 ) إنّما هو تكلّف في التأويل لوجود قرائن حالية ومقالية وعقلية - كما تقدّم - تدل على أن النبي صلّى اللّه عليه واله كان بصدد بيان أمر عظيم ذا أهميّة بين المسلمين . ثم لو سلّمنا أنّها - الخلافة - لا تكون حالية لوجود النبي صلّى اللّه عليه واله ، فلا محيص من أنّها تكون بعد وفاته وبلا فصل ، بناء على أن حمل اللفظ عند تعذّر الحقيقة يكون على أقرب المجازات ، وهذه قاعدة مقرّرة ومسلّمة عندهم بلا ريب . ومن أراد الاطّلاع على المزيد حول دلالات الحديث ، فليراجع المفصّلات والمطوّلات ، أمثال : الغدير للعلّامة الأميني ، والمراجعات للعلّامة شرف الدين ، ودلائل الصدق للعلّامة المظفّر ، ونفحات الأزهار للسيد الميلاني ، والعبقات للسيد حامد اللكهنوي ، فإن فيها بغية الباحث .